أحمد ياسوف
42
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وهو منهج تكاملي أميل إلى العدل يتصف به دارسو الإعجاز والبلاغيون ، فلا يتعصبون لجانب . وقد سار الباقلاني على نهج الجاحظ في أن المفردة كائن معجمي لا جمال فيه ولا قبح ، فكان خارج مجال الجمالية ، ولا تصح نسبة الإعجاز إلى المفردة وحدها ، طارحا العلاقة الوشيجة بين المفردة والفكرة كما سبق أن بيّن ، فمن الطبيعي أن تكون في المعجم ، وفي أقوال أخرى مشلولة ، حتى ينهض بها القرآن في أدق استخدام ، مراعيا الفروق ، ومضيفا عليها المعاني الجديدة والمساحات النفسية الزائدة والإيحاءات الخاصة التي لا تكون في العرف اللغوي . لقد جاء في أواخر كتابه : « والذي تحدّاهم به أن يأتوا بمثل هذه الحروف التي هي نظم القرآن منظومة كنظمه ، متتابعة كتتابعها ، مطردة كاطّرادها ، وما تحدّاهم إلى أن يأتوا بمثل هذا الكلام القديم الذي لا مثل له . . لأن التوراة والإنجيل عبارة عن الكلام القديم وليس ذلك بمعجز في النظم والتأليف ، وكذلك ما دون الآية كاللفظة ، وليست بمفردها بمعجزة » « 1 » . ففي هذا الكلام نحس بوضوح روح الجرجاني الذي صال وجال ، ليثبت هذه الفكرة ، وفنّد وسفّه ، ليبعد كل شبهة عن نظرية النظم ، وفي هذا إهمال لتتابع الحروف وتلاؤم المخارج ، وسهولة النطق ، ومناسبة النغمة للموقف في المفردة ، وهي الوحدة المكوّنة ، وهذا يناسب كلامه الطويل عن « العذب والرقيق والفصاحة » ويصبح بمنزلة تفسير لإجمالها .
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ، ص 260 ، ومراده بالكلام القديم : الكلام الذي لم يتشكل بصورة معينة ، وهو الكلام النفسي ، وهذا مصطلح كلامي ، والمعروف أن الباقلاني كان إماما من المتكلمين الأشاعرة ، والكلام النفسي عندهم ينزل بلغات متعددة .